السيد محمد تقي المدرسي
142
من هدى القرآن
والمؤمن ، وكلها لا شك من صنع الله ، ومظهر لهيمنته على الحياة ، ورحمته بالإنسان إذ جعل التنوع والحدود قائمين في الوقت ذاته ، أليس ذلك يدل على حسن النظم ، ودقة التدبير ، ومتانة الصنع ، وعزة الخالق وحكمته ؟ . وحينما ندقق النظر ونركز الفكر في هاتين الآيتين نجدهما بكل كلمة وردت فيهما تعبيراً عن رحمة الله وإشارة إليها ، أترى لو طغت البحار على اليابسة أو على بعضها وانعدمت الفوارق هل ذلك في صلاح الإنسان ؟ كلا . . ثم إن القرآن يقول : مَرَجَ وهو الحركة الذاتية في كلا البحرين بفعل التموجات ، كما يقول : يَلْتَقِيَانِ إشارة إلى الحركة الثنائية ، وهما معا رحمة إلهية ظاهرة ، فلو جعل الله البحار راكدة لأسن ماؤها وتعفن وبالتالي استحال عيش الأسماك والكثير من الأحياء الأخرى فيها ، وما كان الإنسان يستخرج منها حلية ولا لحماً طريًّا . ثم إنه جعل البحار متصلة تلتقي ببعضها ليسهل على الأحياء البحرية الانتقال مهاجرة عبرها ، ويسهل السفر إلى أكثر نقاط العالم . ولو لم تكن الأنهار - وبالذات الكبيرة منها - تلتقي بالبحار لتصب فيها فائض مياهها لكانت تطغى وتُهلِك الحرث والنسل فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . [ 22 ] ويذكرنا السياق بنعمة الزينة التي أودعها الله في البحار ، وهي من الحاجات الكمالية لا الأساسية عند الإنسان ، انسجاما مع سياق السورة الذي يهدف بيان تجليات رحمة الله ( اسم الرحمن ) في الحياة ، لأن الزينة أقصى النعمة وأرفعها . يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ إن الله لم يودع في البحار حاجاتنا الضرورية وحسب ، بل الكمالية أيضا : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ النحل : 14 ] ، والقرآن بهذه الآية من سورة الرحمن يُفَنِّد المزاعم القديمة بأن الأنهار لا تربِّي اللؤلؤ والمرجان ، وقد جاء العلم الحديث فأثبت خلاف ذلك ، وهكذا يبقى كتاب الله سابقا للحضارة . ولعل الآية تشير إلى إباحة استخراج الزينة والتحلي بها أَوَلم يقل ربنا سبحانه : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . . . [ الأعراف : 32 ] ، كما قال : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] . [ 23 - 25 ] تلك كانت مظهرا من آلاء الله التي تتجلى للإنسان كلما ركب البحر ، وكلما غاص في أعماقه ، وهكذا كلما دار البصر في آفاق الخليقة ونظر إلى الشمس والقمر والنجوم والأرض والبحار والأنهار ، ثم غار في أعماق النفس وما فيها من أبعاد وآماد ، كلما وجد آلاء